عبد الكريم الخطيب

14

التفسير القرآنى للقرآن

بتساؤلات كثيرة ، أطلعته منهم على ما كان بينهم وبين العزيز حتى لقد عادوا دون أن يكال لهم كما يكال للناس ! وهنا ينكشف ليعقوب ما أخفاه عنه أبناؤه لأمر ما . . لقد كال لهم العزيز ، وعاد كل منهم ومعه حمل بعير . . ! وإذن فما ذا أرادوا بقولهم : « يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ » ؟ إنهم أرادوا أن يحققوا بذلك أمورا . . منها : أولا : الاستيلاء على عواطف أبيهم ، وذلك بمواجهته بهذا الخبر الذي يبعث فيه الهمّ والقلق . . ثم لقائه فجأة بهذا الخبر الهنيء المسعد . . إنهم قد اكتالوا ، وجاء كل منهم بحمل بعير . . ولكنهم منعوا مستقبلا من أن يكال لهم ، حتى يكون معهم أخوهم من أبيهم ! ! وثانيا : في الحديث عن منع الكيل في المستقبل إلا بتحقيق هذا الشرط ، إغراء لأبيهم بالمبادرة إلى إجابة طلبهم حتى يسرعوا بالعودة إلى مصر ، ليأخذوا دورهم من الميرة قبل أن تنفد ! وها هو ذا يعقوب لا يزال واقعا تحت تأثير الصدمة التي صدم بها حين سمع قولهم : « يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ » . . وإنه الآن لحريص على ألا تفوته الفرصة المواتية لجلب الميرة ، مهما كان الثمن غاليا ! ! وهكذا أصاب قولهم : « يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ » - أصاب من أبيهم ما أرادوا من تخويفه بالمستقبل ، إن لم يبادر ببعثهم إلى مصر مرة أخرى ليكتالوا ، وأن يذلل كل صعب لإنفاذ هذا الأمر . . فهم صادقون في قولهم : « مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ » لأنه منع منهم مستقبلا إن لم يجيئوا معهم بأخيهم من أبيهم ، كما قال لهم يوسف : « ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ » . . وكما قال : « فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ » . . ولكن هذا الخبر حين ألقوه إلى أبيهم